نبيه البرجي✍️
السيد حسن نصرالله , كشخصية تاريخية , لم يكن بالرجل الذي يبالغ في اظهار قوته . مثلما كان رجل العناوين الكبرى , والمفترقات الكبرى , كان رجل التفاصيل الصغيرة .
بالتأكيد كان باستطاعة الترسانة الصاروخية لـ"حزب الله" تدمير أهداف استراتيجية بالغة الحساسية في اسرائيل .
لكنه آثر أن تنتهي حياته , بتلك الطريقة الدرامية , على أن تلجأ حكومة بنيامين نتنياهو الى الضربات النووية , بعدما قال هذا الأخير بتغيير الشرق الأوسط ,
حتماً بالسكين النووية , وفي ضوء معلومات موثوقة , من شخصيات عالمية من بينها فلاديمير بوتين , بأن أصابع رئيس الحكومة الاسرائيلية اقتربت كثيراً من الأزرار النووية .
كان ممكناً لمقاتلي الحزب اختراق الخط الأزرق , والدخول الى الجليل ,
وربما الى أبعد من الجليل .
لاحظنا الأداء الأسطوري للمقاتلين الفلسطينيين في غزة ،
وفي تلك الظروف المستحيلة .
من تابع المواجهات التي حدثت على أرض الجنوب , وفي الظروف المستحيلة أيضاً , يدرك أي نوع من الرجال حال دون الأرمادا الاسرائيلية (60000 جندي ومئات الدبابات) , والتمدد الى الداخل ,
وربما الى بيروت (الآن الضاحية الجنوبية) , على غرار ما حدث ابان اجتياح عام 1982 .
الشبح النووي , بالتداعيات الأبوكاليبتية , ومن طهران الى بيروت , حال دون استهداف نقاط القوة , ونقاط الضعف , في الدولة العبرية .
من هنا الاصرار على نزع سلاح الحزب , دون أن نقتنع , في حال من الأحوال , بأن شروط نتنياهو تتوقف عند ذلك .
أكثر من مرة تحدثنا عن ترحيل قادة "حزب الله" ومقاتليه , على غرار ما حدث لياسر عرفات و"فدائييه" .
لكن السيد نصرالله (وحالياً الشيخ نعيم قاسم) ليس برجل الصفقات ,الصفقات الديبلوماسية الفارغة والخادعة ,
وليس بالرجل الطارئ على هذا التراب الذي خرج منه , مثلما تخرج أشجار الأرز , واشجار الزيتون .
أيضاً وايضاً مثلما تخرج شقائق النعمان .
رأينا ما فعله صاروخ يمني واحد باسرائيل . الصاروخ قطع نحو 2000 كيلومتر ,
واخترق كل المنظومات المضادة , والأكثر فاعلية في العالم ,
ووصل الى مطار بن غوريون . لنتصور , في هذه الحال , ما حال اسرائيل لو أتيح لـ"حزب الله" أن يطلق عشرات آلاف الصواريخ .
السيد نصرالله كان بين أن تدخل المنطقة في الجحيم النووي وبين أن يضحي بنفسه .
وكان باستطاعته أن يتخلص من العيون الصفراء , ومن أجهزة الرصد والتعقب ,
لكنه قرر هو , أجل هو , أن يستشهد ليفتدي الجميع.
الآن ثمة من يتحدث بتلك البشاعة وبتلك الفظاعة , عن ضريحه حتى ضريحه يقلقلكم أيها السادة ؟؟
ولكن أي معاتاة للمقاومة حين تكون في هذا المستنقع السياسي والطائفي .
اسألوا خبراء صندوق النقد الدولي , واسألوا أيضاً مستشاري الاليزيه ,
ومستشاري البيت الأبيض , اذا كان هناك بلد في العالم يمكن أن تصل فيه الزبائنية ,
وأن يصل فيه الفساد , و أن يصل فيه التأجيج الغرائزي ,
الى ذلك الحد البلد الذي استعدنا كثيراً وصف لامارتين له بـ"أريكة القمر" , جعل منه ملوك الطوائف أريكة لأكلة عظام البشر .
عدنا الى التجربة الفيتنامية , وحيث تمكن الحفاة , والجوعى ,
من دحر أضخم قوة في التاريخ , وعدنا الى التجربة الأفغانية ,
وحيث تمكن الخارجون من الصخور , لا من وادي السيليكون ,
ولا من كلية "وست بوينت" , من فعل الشيء نفسه .
وقد لاحظنا ذلك الخروج الفضائحي من سايغون ,
ومن كابول المعلق العسكري الشهير باري ماكفري تحدث عن "ذلك العار الذي لن يبارح وجوهنا الى الأبد ..." .
سواء كنا في المنطقة , وما زلنا ندور داخل الدوامة القبيلة , ولا الزير المهلهل ولا أبوزيد الهلالي هناك , أو كنا في لبنان ,
وما زلنا ندور داخل الدوامة الطائفية ,
برقصة الفالس مع القناصل ,
لسنا أهلاً للتفاعل الجماعي مع المقاومة التي تمكنت , بالرغم من كل ذلك , من اجتثاث الأقدام الهمجية من أرضنا , عام 2000 , ليبقى رهان الحكومات الاسرائيلية المتعاقبة , وكما كتب آموس هرئيل , على تفككنا القبلي , والطائفي ,
فيما تتحول آلاف الطائرات , وآلاف الدبابات , وآلاف الصواريخ الحديثة الى بضاعة صدئة في المستودعات .
كل هذا لنصل الى تلك الحقيقة الصادمة .
لا نزع للسلاح الذي يعرف الرئيس جوزف عون , والعماد رودولف هيكل , أنه حاجة لبنانية , حين تكون على حدودنا , وداخل حدودنا , تلك الثلة من الذئاب المجنونة , بالايديولوجيا التي تقوم على ازالة الآخر ,
أياً كان هذا الآخر لا بأس , وقد يكون من الضروري أن يكون في اطار الدولة .
ولكن أي دولة حين يكون هناك نائب يهدد ببنيامين نتنياهو , وبأحمد الشرع , لنزع السلاح بالقوة ,
وحين يكون هناك وزير معني يتماهى في موقفه مع الموقف الاسرائيلي .
ولو كان يمتلك السلطة , والأظافر , لما تردد في تسليم سكاكين المطبخ الى الجنرال ايال زامير .
في هذا السياق , رائع بيان "حزب الله" حول الاعتداءات الاسرائيلية على سوريا التي نأمل بخروجها من العباءة العثمانية والدخول في الحالة السورية .
أيها الرئيس الشرع , اعمل بوصية أبيك الدكتور حسين الشرع في مقاومة من اهانوا الأرض ,
وأهانوا الأمة , لأن تفكيك سوريا , وكما أعلن ذلك للملأ بسلئيل سموتريتش ,
يعني أيضاً تفكيك تركيا , بل وتفكيك المنطقة تبعاً للرؤية (وللرؤيا) التوراتية ,
وقد باتت الرؤية (والرؤيا) النووية !


